
لم تعد متابعة المشاريع الكبرى في السعودية مرتبطة فقط بالإعلانات عن خطط مستقبلية أو تصورات معمارية ضخمة، إذ دخل عدد متزايد من المشروعات خلال 2026 مراحل تشغيل فعلية، بينما انتقلت مشروعات أخرى من التخطيط والتصميم إلى الإنشاء والبنية التحتية وتوقيع العقود التنفيذية. ويظهر هذا التحول بوضوح في القدية والدرعية ووجهات البحر الأحمر، وفي أجزاء من نيوم والمربع الجديد، حيث تختلف المرحلة من مشروع إلى آخر؛ فبعض الوجهات أصبحت تستقبل الزوار بالفعل، وبعض الأصول الفندقية والترفيهية دخلت التشغيل، بينما تستمر مشاريع أخرى في تنفيذ البنية الأساسية أو الإنشاءات الرئيسية ضمن جداول متعددة السنوات.
ولهذا فإن تقييم المشاريع الكبرى في السعودية يحتاج اليوم إلى التفرقة بين ثلاثة مستويات واضحة: منشآت أصبحت مفتوحة وتعمل بالفعل، وأصول تحت الإنشاء حصلت على عقود وتمويل وبدأ العمل الميداني فيها، ومكونات بعيدة المدى ما زالت تخضع للتطوير المرحلي أو الجدولة بحسب الطلب والاستثمار. هذه التفرقة مهمة لأن المشروع العملاق قد يضم عشرات المكونات التي لا تُسلَّم في وقت واحد، كما أن انتقال أحد أجزائه إلى التشغيل لا يعني اكتمال المشروع بكامل مخططه.
القدية تنتقل من مرحلة البناء إلى استقبال الزوار
تعد مدينة القدية من أوضح الأمثلة على انتقال مشروع كبير من التطوير إلى التشغيل التدريجي. فقد افتتحت Six Flags Qiddiya City في نهاية 2025، بينما دخلت أكواريبيا التشغيل في أبريل 2026 بوصفها إحدى أهم الوجهات المائية في المدينة، وتضم 22 لعبة وتجربة مائية، من بينها أربع تجارب أعلنت الجهة المطورة أنها تحقق أرقامًا قياسية عالمية. وفي الوقت نفسه أصبحت بعض المرافق التشغيلية الأخرى، مثل PlayMaker Studios، جزءًا من منظومة المدينة التي بدأت بالفعل في استقبال المستخدمين والزوار.
لكن هذا لا يعني أن القدية اكتملت؛ فالمدينة مشروع متعدد المناطق والمرافق، وما زالت مجموعة كبيرة من الأصول تحت التطوير، من بينها مركز التنس الوطني، وملعب جولف من 18 حفرة، وحلبة سباقات Speed Park، واستاد الأمير محمد بن سلمان، ومركز الفنون الأدائية، ومنطقة الألعاب والرياضات الإلكترونية، ومرفق لسباقات الخيل. وتوضح أحدث المعلومات الرسمية أن المشروع يتجه إلى تشغيل أصوله على مراحل بدل انتظار اكتمال المدينة بالكامل قبل افتتاحها.
هذا الأسلوب مهم اقتصاديًا، لأنه يسمح للقدية بالبدء في استقبال الزوار وتحقيق نشاط تجاري مبكر بالتزامن مع استمرار البناء في المناطق الأخرى، كما يمنح المشغلين فرصة لاختبار الطلب وأنماط الحركة والخدمات الفعلية بدل بناء كل مكونات المدينة قبل الحصول على بيانات تشغيلية واقعية.
الدرعية تواصل توقيع عقود جديدة بمليارات الريالات
مشروع الدرعية بدوره دخل مرحلة كثيفة من الأعمال الإنشائية والتعاقدية. وفي 5 أكتوبر 2026 أعلنت شركة الدرعية توقيع عقود إنشائية بقيمة إجمالية تبلغ 2.729 مليار ريال لتطوير خمسة فنادق فاخرة وثلاثة أصول سكنية بعلامات تجارية عالمية داخل منطقة ميدان الدرعية، وتشمل الحزمة نحو 413 غرفة فندقية و34 وحدة سكنية تحمل علامات فندقية.
وجاءت هذه العقود بعد نشاط واسع خلال النصف الأول من 2026، حيث تجاوزت قيمة العقود والاستثمارات المعلنة 4.9 مليارات ريال، وشملت مشروعات مثل Four Seasons ومتحف الفن المعاصر في السعودية إلى جانب أعمال أخرى ضمن المخطط العام. ويستهدف المخطط طويل المدى تطوير مساحة تبلغ قرابة 14 كيلومترًا مربعًا، مع أكثر من 28 فندقًا وما يزيد على 18 ألف وحدة سكنية ضمن مزيج من الضيافة والسكن والثقافة والتجزئة.
وفي الوقت نفسه، توجد في الدرعية بالفعل وجهات مفتوحة أمام الجمهور مثل حي الطريف التاريخي ومطل البجيري، ما يجعل المشروع في حالة تجمع بين التشغيل الحالي والبناء المستمر. وهذه الصورة مختلفة عن المشروعات التي تكون جميع عناصرها خلف الأسوار حتى موعد افتتاح واحد؛ فالدرعية تتوسع حول أصول قائمة تستقبل الزوار بينما تنشأ الأحياء والفنادق والمرافق الجديدة تدريجيًا.
أمالا تنتقل فعليًا إلى التشغيل خلال 2026
أحد أبرز التحولات خلال العام هو دخول أمالا مرحلة التشغيل. فقد أعلنت البحر الأحمر الدولية بدء العمليات في الوجهة في يونيو 2026 مع افتتاح Four Seasons Resort and Residences AMAALA at Triple Bay، ثم توالت الافتتاحات خلال الصيف، من بينها Rosewood AMAALA في أغسطس، وEquinox Resort AMAALA في سبتمبر، إلى جانب Nammos Resort AMAALA ونادي أمالا لليخوت.
وفي بداية أكتوبر، حصل مرسى أمالا ومرسى جزيرة شورى على التراخيص التشغيلية النهائية، ما يدعم إنشاء ممر بحري لليخوت بين الوجهتين على ساحل البحر الأحمر. وهذه التفاصيل مهمة لأن المشروعات الساحلية لا تعتمد على الفنادق فقط، بل تحتاج إلى المطارات والمراسي والنقل والمياه والطاقة والخدمات اللوجستية لكي تتحول من مشروع إنشائي إلى وجهة قادرة على استقبال الضيوف بصورة مستقرة.
كما أعيد افتتاح مطار الوجه بعد استكمال أعمال تطويره في يونيو 2026، وهو عنصر آخر في شبكة الوصول إلى وجهات الساحل. وفي مشروع البحر الأحمر، حصلت خمسة فنادق تشغيلية في جزيرة شورى على شهادة LEED Platinum، وبحسب الشركة وصل إجمالي الفنادق الحاصلة على هذه الشهادة في الوجهة إلى عشرة فنادق تضم أكثر من 1,200 مفتاح فندقي، مع وجود منتجعات إضافية ضمن مراحل الافتتاح والتطوير.
نيوم: التركيز الحالي على الأصول الاقتصادية والبنية التحتية
نيوم من أكثر المشروعات التي تضم نطاقات مختلفة جدًا، ولذلك يصعب اختصار مرحلتها في عبارة واحدة. خلال 2026 برزت بصورة خاصة التطورات في أوكساجون والبنية الرقمية؛ فقد أعلنت HUMAIN وDataVolt ونيوم بدء أعمال إنشاء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي في أوكساجون، وتستهدف المرحلة الأولى قدرة إجمالية تصل إلى 360 ميجاواط، على أن يبدأ تشغيل أول 100 ميجاواط في 2028 وفق الإعلان الرسمي.
كما شهد ميناء نيوم خطوات مرتبطة بالربط اللوجستي الدولي، بما في ذلك إطلاق جسر بري متعدد الوسائط مع أوروبا خلال 2026، وهو ما يدعم دور أوكساجون بوصفها منطقة للصناعة والخدمات اللوجستية وليس مجرد تطوير عقاري.
أما ذا لاين، فتشير المواد الرسمية الحالية إلى أن تطويرها يجري على مراحل مرتبطة بالطلب والتقدم الفعلي للمشروع، وهو ما يعني أن الجدول التنفيذي يمتد على فترة طويلة ولا ينبغي التعامل مع المخطط الكامل على أنه منشأة يفترض تسليمها دفعة واحدة.
وهذه النقطة ضرورية عند متابعة نيوم؛ فالمشروع يضم السياحة والطاقة والصناعة واللوجستيات والبيانات والتطوير الحضري، وبالتالي قد يحقق أحد القطاعات تقدمًا تشغيليًا أسرع من قطاع آخر.
المربع الجديد ينتقل من التخطيط إلى التنفيذ الميداني
في الرياض، انتقل المربع الجديد خلال 2026 إلى مرحلة تنفيذ أكثر وضوحًا. فقد أعلنت الشركة في فبراير أن المشروع انتقل من التخطيط إلى التنفيذ الفعلي، مع استمرار أعمال الحفر وتجهيز البنية التحتية والتهيئة للمرحلة الإنشائية. كما تم إسناد أدوار مرتبطة بالبنية التحتية للمرحلة الأولى إلى شركات هندسية دولية مع تسارع الانتقال من التصميم إلى التنفيذ.
وفي أغسطس 2026، أُعلن عن شراكة بقيمة مليار ريال مع مجموعة المانع الطبية لإنشاء مستشفى عام داخل الوجهة، وهو مثال على أن المشروع لا يقتصر على "المكعب" أو المناطق التجارية، بل يشمل خدمات صحية وسكنًا وضيافة وتجزئة وبنية تنقل. ويستهدف المخطط توفير أكثر من 10 آلاف غرفة فندقية ومساحات تجزئة كبيرة وشبكة مسارات للدراجات تمتد لنحو 150 كيلومترًا، وفق المواد الرسمية للمشروع.
لكن المشروع لا يزال في مرحلة بناء واسعة، ولذلك يجب التفرقة بين العناصر التي تم التعاقد عليها والأهداف طويلة الأجل وبين الأصول المفتوحة فعليًا أمام الجمهور.
ماذا تعني المراحل الحالية للمشاريع الكبرى؟
التحول الأهم خلال 2026 هو أن مجموعة من المشروعات بدأت تقدم أصولًا تشغيلية حقيقية. افتتاح فندق أو مدينة ألعاب أو مرسى ليس مجرد حدث إعلامي، لأنه يخلق احتياجات فعلية للتوظيف والتشغيل والمشتريات والصيانة والتقنية والنقل والأمن والضيافة. وبمجرد انتقال المشروع من البناء إلى التشغيل تتغير طبيعة الفرص المرتبطة به؛ فبدل الاعتماد الأكبر على المقاولات والهندسة، يبدأ الطلب على إدارة المنشآت وخدمة العملاء والسياحة والتجزئة والتسويق والتقنية والخدمات المساندة.
وفي المقابل، المشروعات التي لا تزال في الإنشاء تخلق سلسلة توريد مختلفة تشمل مواد البناء والهندسة والمقاولين والخدمات اللوجستية وإدارة المشروعات والاستشارات. ولذلك لا ينبغي تقييم أثر المشروع فقط بعد افتتاحه النهائي؛ فعملية البناء نفسها تشكل سوقًا اقتصاديًا واسعًا يمتد لسنوات.
هل تتغير جداول المشاريع الكبرى؟
نعم، وهذا طبيعي في المشروعات متعددة المراحل التي تمتد سنوات طويلة. قد تتغير أولوية مكون معين أو يتم تنفيذ منطقة قبل أخرى أو تعديل تصميمات بناءً على التكلفة والطلب والتقنية وظروف السوق. لذلك يكون المؤشر الأكثر فائدة هو متابعة العقد الفعلي والإنشاء والتشغيل وليس الاعتماد فقط على تاريخ معلن منذ سنوات لمخطط كامل.
كما أن المشروعات الضخمة يمكن أن تتطور في نطاقها مع مرور الوقت، ولذلك يُفضل العودة إلى أحدث تحديث رسمي عند تقييم مرحلة أي مكون بدل استخدام وصف يعود إلى بداية المشروع.
ما القطاعات الأكثر استفادة من المشروعات الحالية؟
تخلق المشروعات الكبرى طلبًا واسعًا في قطاعات متعددة، ومن أبرزها الهندسة والإنشاءات، والفنادق والضيافة، والنقل والخدمات اللوجستية، والطاقة والمياه، والتقنيات الرقمية، والأمن السيبراني، وإدارة المرافق، والتجزئة والمطاعم، والترفيه والرياضة، إلى جانب الخدمات الصحية والتعليمية.
كما توفر هذه المشروعات فرصًا أمام المنشآت الصغيرة والمتوسطة للعمل كموردين ومقدمي خدمات، لكن الوصول إلى هذه الفرص يحتاج غالبًا إلى قدرة على الالتزام بالمعايير الفنية والتعاقدية وجودة التنفيذ، وليس مجرد قرب النشاط من موقع المشروع.
ما الذي يستحق المتابعة خلال الفترة المقبلة؟
أهم ما ينبغي متابعته ليس عدد الإعلانات الجديدة فقط، بل افتتاح الأصول التي كانت قيد البناء، وإسناد الحزم التنفيذية الجديدة، وتقدم البنية التحتية، وعدد الزوار والتشغيل الفعلي بعد الافتتاح. وفي القدية مثلًا ستكون المرافق الرياضية والثقافية القادمة مهمة، وفي الدرعية تستحق منطقة الميدان والفنادق الجديدة المتابعة، بينما يتركز الاهتمام في البحر الأحمر على استكمال تشغيل المنتجعات وربطها بالمطارات والمراسي، وفي نيوم على تقدم البنية الصناعية واللوجستية والرقمية.
أسئلة شائعة عن المشاريع الكبرى في السعودية
ما أبرز مشروع دخل مرحلة التشغيل خلال 2026؟
أمالا من أبرز الأمثلة، إذ بدأت عملياتها في يونيو 2026 وتوالت بعد ذلك افتتاحات الفنادق ونادي اليخوت والمرافق. كما واصلت القدية تشغيل وجهات مثل Six Flags وأكواريبيا.
هل مشروع القدية اكتمل؟
لا. توجد أجزاء عاملة بالفعل، لكن عددًا كبيرًا من المرافق الرياضية والثقافية والترفيهية ما زال قيد التطوير.
ما آخر تطورات الدرعية؟
من أحدث التطورات توقيع عقود بقيمة 2.729 مليار ريال في 5 أكتوبر 2026 لتطوير فنادق وأصول سكنية بعلامات عالمية داخل ميدان الدرعية.
هل ذا لاين أصبح جاهزًا؟
لا. تطوير ذا لاين يجري على مراحل وفق المخطط والطلب والتقدم التنفيذي، والمشروع طويل الأجل.
ما المرحلة الحالية للمربع الجديد؟
المشروع انتقل خلال 2026 من التخطيط إلى التنفيذ الميداني وأعمال البنية التحتية والحفر، مع توقيع شراكات جديدة لمكونات مثل الرعاية الصحية.
هل المشاريع الكبرى توفر فرصًا للشركات الصغيرة؟
يمكن أن توفر فرصًا مباشرة وغير مباشرة في التوريد والصيانة والضيافة والنقل والتقنية وغيرها، لكن الاستفادة تعتمد على متطلبات كل عقد والاعتمادات والقدرة التشغيلية للشركة.
الخلاصة
توضح أحدث مراحل المشاريع الكبرى في السعودية خلال 2026 أن المشهد انتقل بدرجة متزايدة من مرحلة الإعلان والتصميم إلى مزيج من التشغيل والإنشاء في الوقت نفسه. القدية بدأت تستقبل الزوار بينما تبني أصولًا إضافية، وأمالا دخلت التشغيل الفندقي والبحري، والدرعية تواصل إسناد عقود جديدة بمليارات الريالات، ونيوم تدفع بمشروعات صناعية ورقمية مثل مركز بيانات الذكاء الاصطناعي في أوكساجون، بينما بدأ المربع الجديد مرحلة تنفيذ أكثر وضوحًا على الأرض.
لكن قراءة هذه المشروعات بدقة تتطلب تجنب التعامل معها كوحدة واحدة لها تاريخ انتهاء واحد. المشروع الكبير قد يحتوي على عشرات المناطق والمرافق، بعضها يعمل اليوم وبعضها يحتاج إلى سنوات إضافية. ولذلك فإن أفضل طريقة للمتابعة هي النظر إلى ما افتتح بالفعل، وما بدأ إنشاؤه، وما حصل على عقد تنفيذي، وما زال هدفًا مستقبليًا.
CTA: عند متابعة أي مشروع كبير في السعودية، لا تكتفِ بتاريخ الإعلان أو الصور التصورية؛ راقب أحدث العقود ومراحل الإنشاء والأصول التي دخلت التشغيل فعليًا، لأن هذه المؤشرات تعطي صورة أدق عن تقدم المشروع وفرصه الاقتصادية.
0 تعليقات